الشوكاني
346
فتح القدير
أبي حاتم عن ابن عباس قال : قال العباس حين أسر يوم بدر : إن كنتم سبقتمونا بالإسلام والهجرة والجهاد لقد كنا نعمر المسجد الحرام ونسقي الحاج ونفك العاني ، فأنزل الله ( أجعلتم سقاية الحاج ) الآية : يعني أن ذلك كان في الشرك فلا أقبل ما كان في الشرك . وأخرج ابن مردويه عنه أيضا في الآية قال : نزلت في علي بن أبي طالب والعباس . وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن الشعبي قال : تفاخر علي والعباس وشيبة في السقاية والحجابة فأنزل الله ( أجعلتم سقاية الحاج ) الآية ، وقد روى معنى هذا من طرق . سورة براءة الآية ( 23 - 24 ) الخطاب للمؤمنين كافة ، وهو حكم باق إلى يوم القيامة يدل على قطع الولاية بين المؤمنين والكافرين . وقالت طائفة من أهل العلم : إنها نزلت في الحضن على الهجرة ورفض بلاد الكفر ، فيكون الخطاب لمن كان من المؤمنين بمكة وغيرها من بلاد العرب ، نهوا بأن يوالوا الآباء والإخوة فيكونون لهم تبعا في سكنى البلاد الكفر إن استحبوا : أي أحبوا ، كما يقال استجاب بمعنى أجاب ، وهو في الأصل طلب المحبة ، وقد تقدم تحقيق المقام في سورة المائدة في قوله تعالى - يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء - ثم حكم على من يتولى من استحب الكفر على الإيمان من الآباء والإخوان بالظلم ، فدل ذلك على أن تولى من كان كذلك من أعظم الذنوب وأشدها ، ثم أمر الله رسوله صلى الله عليه وآله وسلم بأن يقول لهم ( إن كان آباؤكم ) إلى آخره ، والعشيرة : الجماعة التي ترجع إلى عقد واحد ، وعشيرة الرجل قرابته الأدنون ، وهم الذين يعاشرونه وهي اسم جمع . وقرأ أبو بكر وحماد ( عشيراتكم ) بالجمع . قال الأخفش : لا تكاد العرب تجمع عشيرة على عشيرات ، وإنما يجمعونها على عشائر ، وقرأ الحسن ( عشائركم ) . وقرأ الباقون ( عشيرتكم ) والاقتراف : الاكتساب ، وأصله اقتطاع الشئ من مكانه ، والتركيب يدور على الدنو ، والكاسب يدنى الشئ من نفسه ويدخله تحت ملكه ، والتجارة الأمتعة التي يشترونها ليربحوا فيها . والكساد عدم النفاق لفوات وقت بيعها بالهجرة ومفارقة الأوطان . ومن غرائب التفسير ما روى عن ابن المبارك أنه قال : إن المراد بالتجارة في هذه الآية البنات والأخوات إذا كسدن في البيت لا يجدن لهن خاطبا ، واستشهد لذلك بقول الشاعر : كسدن من الفقر في قومهن * وقد زادهن مقامي كسادا وهذا البيت وإن كان فيه إطلاق الكساد على عدم وجود الخطاب لهن فليس فيه جواز إطلاق اسم التجارة عليهن ، والمراد بالمساكن التي يرضونها ، المنازل التي تعجبهم وتميل إليها أنفسهم ويرون الإقامة فيها أحب إليهم من